الجمهورية الإسلامية: عقل استراتيجي أكبر من المرشحين والميول التكتيكية والأفكار الجزئية
Table of Contents:
- الجمهورية الإسلامية: عقل استراتيجي أكبر من المرشحين والميول التكتيكية والأفكار الجزئية
- Page 2
أصفهان: يشهد العالم منذ إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية، موجة تظاهرات واشتباكات بين المحتجّين وعناصر مكافحة الشغب. إلا أنه يُخطئ مَن يظنّ أن ما يحصل في شوارع طهران هو مقدمة لانقلاب على نظام الحكم. فهو ليس أكثر من تنازع على السلطة بين أبناء الصف الواحد الذين يؤمنون بنفس القيم، ولهم نفس الموقف تجاه أبرز الملفات، التي يصطدمون بها مع المجتمع الدولي وفي مقدمها الملف النووي والتمدد الاستراتيجي الحيوي في محيط إيران في العراق وأفغانستان ودعم 'حماس' في الأراضي الفلسطينية و'حزب الله' في لبنان.
انتهت الانتخابات الرئاسية العاشرة في إيران بنتيجة غير متوقعة، هي فوز الرئيس الحالي محمود أحمدي نجاد بها من الجولة الأولى، ولكن الجدل حول النتيجة لم يُحسَم بعد سواء في داخل إيران أو خارجها. ومع اندلاع التظاهرات المعترضة على النتيجة والمؤيدة للمرشح الإصلاحي مير حسين موسوي في المدن الإيرانية المختلفة ومنها أصفهان، يدور سؤال بعينه في ذهن الأغلبية العظمى من المتابعين للمشهد الإيراني الساخن: ما هو السياق الأساسي الذي يتحكم في انتخابات إيران ويستطيع أن يقدم تفسيراً معقولاً لما جرى؟
وتستلزم الإجابة عن السؤال مقدمة مطولة تليق بالسؤال المعقد، على العكس من الأحكام السطحية الرائجة.
الفروقات الحقيقية
يعتبر بعض مؤيدي الرئيس نجاد أنه «مرشح الفقراء» الذين حسموا النتيجة لمصلحته! وقائد «محور الممانعة» في المنطقة، و»العدو الأول للولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل»، وهي الصفات والنعوت التي تغرف من خطاب أيديولوجي رجراج يفتقر إلى السياق وإلى أدوات التحليل غير الأيديولوجية. ومع انتفاء الانقسام الانتخابي في إيران على خلفية اليمين واليسار، بسبب انضواء جميع المرشحين تحت عباءة النظام من جهة والسيولة الأيديولوجية للمرشحين. من جهة أخرى، تبدو هناك انقسامات جهوية وعرقية وجندرية واجتماعية- ثقافية بين نجاد وموسوي. صحيح أن نجاد له مؤيدون بين شرائح إيرانية شعبية غير قليلة، ولكنه أيضاً صحيح أن أجهزة الدولة الإيرانية وأذرعها العسكرية والأمنية تدخلت ومالت لمصلحة الأخير على حساب موسوي المتمتع بتأييد شعبي لا يمكن إنكاره أيضاً، وإن كان ذلك التدخل يعود إلى أسباب ليست أيديولوجية بالضرورة كما سيتضح لاحقاً.
الصورة الملتبسة
تعيد المقولات السطحية والمرتكزة على فكرة «الخير والشر»، إنتاج سجال ثنائي بين «المحافظين» و»الإصلاحيين» في قالب رخيص ومستهلك. وهكذا ينهض المنطق الداخلي للثنائية المذكورة على قاعدة تضاد الآراء والمواقف، ولأن نجاد يحمل كل الصفات السابقة، فإن المرشح الإصلاحي مير حسين موسوي هو بالضرورة، حسب منطق هؤلاء، على العكس من ذلك أي «مرشح الأغنياء» و»صديق إسرائيل»، و»المتخاذل عن نصرة الممانعة». ويدلل على فساد وتهافت مثل هذه البضاعة التحليلية أن موسوي، مثله مثل نجاد، ينتمي إلى النظام السياسي الإيراني، وبالتالي يعد رفع نجاد إلى مصاف «الممانعين» أو الهبوط بموسوي إلى مرتبة «المتخاذلين»، أمراً يتناقض وطبيعة الحراك الدائر بين أجنحة النظام السياسي في إيران. ولا يتساوى مدح نجاد وذم موسوي من طرف مستعيدي الثنائيات والسجالات، مع وجود تلك الطبيعة التضايفية التي تميز علاقة كل منهما بالآخر. والتضايف يعني أنه لا يمكن تعقل ظاهرة بدون تعقل واستنساب الأخرى مثل: الأبوة والبنوة والأعلى والأدنى وهكذا. فإذا كان المطلوب تحليلياً المقايسة الأقرب إلى الدقة والموضوعية بين الشخصيتين وما تمثلانه من أفكار سياسية، فينبغي أن يتم ذلك إذن على قاعدة المشتركات التي تميزهما، فإذا كان نجاد «ممانعاً» فموسوي أيضاً، وإن كان نجاد «عدوا لأميركا وإسرائيل» فموسوي كذلك، وهي ما يغيب عن عمد وسابق تصميم في تحليلات الزاعقين.
القوة الناعمة
دخلت إيران الانتخابات وقوتها الناعمة في أوجها، فهناك أربعة مرشحين تنافسوا على منصب الرئاسة، ليس المنصب رقم واحد في الدولة بحسب الدستور، وهي ظاهرة غير معتادة في الشرق الأوسط، ولكنها خرجت من الانتخابات ونظامها السياسي يواجه أعمق أزمة مشروعية في تاريخه الممتد إلى عام 1979. قاومت إيران بضراوة الضغوط الدولية عليها ومددت نفوذها الإقليمي في المنطقة بالسنوات الماضية كما لم تفعل في تاريخها، ولكن استحضار «المؤامرة» في العملية الانتخابية الأخيرة يبدو خارج سياق التحليل والتفحص في معاني ودلالات المشهد. والمرشح الإصلاحي مير حسين موسوي، رئيس الوزراء خلال فترة الحرب الإيرانية- العراقية والمؤتمن على اقتصاد إيران وسياستها الخارجية ليس «مؤامرة أميركية» ضد إيران، وإلا كانت تلك إهانة كبيرة لكل النظام السياسي الإيراني وليس موسوي وحده. كما أن الشرائح الشعبية المتظاهرة في الشارع اعتراضاً على النتيجة وتأييداً لموسوي ليست «مدفوعة من الخارج» و»أعداء إيران» بل تعبِّر، حتى بحكم عددها المجرد، عن إرادة شعبية لابد من التوقف عندها. ووفقاً لذات المنطق لا يجب اعتبار موسوي «ملاكاً»، أو الرئيس نجاد «شيطاناً»، فكلاهما يتنافس سياسياً وانتخابياً لتحقيق مصلحة النظام وفق قناعاته ورؤاه وعلى قاعدة مصالح إيران الوطنية، وهو درس كبير في الواقع تقدمه إيران لجوارها الجغرافي.
الصورة الفلسفية
يلعب العرفان (التصوف) دوره الكبير في الثقافة الإيرانية ويمتد تأثيره إلى تراث إيران السياسي، حتى تبدو إيران الحالية امتداداً لتراث عظيم من أقطاب الفلسفة والعرفان من أمثال العباقرة: خيام وحافظ وبسطامي ومولانا جلال الدين الرومي. ومن الطبيعي ألا تخلو المحتويات السياسية والثقافية في إيران من الصور البلاغية والفلسفية التي قدمها هؤلاء العظام الراحلون، ومن هذه الصور تلك العلاقة السببية التصاعدية التي تنظر في «الماورائيات» وليس إلى الصورة الظاهرة فقط. في كتاب «مثنوي ومعنوي» لمولانا جلال الدين، حكاية عن نملتين تمشيان بالقرب من لوحة جميلة رسمت لزهور ملونة، فتقول النملة الأولى للثانية: الله هذه الألوان والصورة رائعة والفضل في ذلك يعود للألوان. فتقول الثانية: بل للأصابع التي جرت بالألوان على اللوحة. فتعود الأولى قائلة: وما الأصابع دون تأثير من المعصم؟ المعصم هو الأهم! فتعود الثانية قائلة: ولكن الساعد هو الذي يحرك المعصم، فهو إذن الأهم. ولكن النملة الأولى تقول: الذراع هو من يحرك الساعد فهو الأولى بالاحترام. لم تيأس النملة الثانية فعادت لتقول: ولكن العقل هو الذي يحرك الذراع والساعد والمعصم والأصابع، فهو السبب في هذا العمل. سكتت النملة الأولى لبرهة ثم عادت لتقول: ولكن العقل دون تقليب من الله مجرد جماد!




